Tuesday, November 24, 2009

مين خرّب بنتي؟

مين خرّب بنتي *
تتناول هذه النشرة قضية المواجهات المتكررة بين المثليات وأهاليهن, نخوض من خلالها في الواقع الذي تعيشه النساء المثليات, في أسباب تلك المواجهات وفي ما قد يكون وراء اعتقادات الأهل وبحثهم الدءوب عن "مين خرب بنتي؟!". "انتِ مش بنتي اللي بعرفها, مش بنتي اللي ربيتها, الحق على صاحباتك اللي مرافقتيهن هنّ اللي خربوك!" هذه الجمل ذاتها التي سمعتها من أهلي, ونفس الجمل وأخرى مشابهة لها سمعتها صديقاتي هي الأخرى من أهاليها. "مين اللي خرب بنتي؟!" هذا ما شغل بال أهالينا, هذه ردة فعلهم الأولية لإفصاحنا عن مشاعرنا التي لا تتلاءم وقواعد المجتمع وقاعدة مشاعر أفراده بما فيهم أفراد عائلتي. اختلافي عنهم يعني لهم وجود خللٌ ما, وان مصدر هذا الخلل وبلا شك شيء ما خارج نطاق حصنهم العائلي, جهة ما أخرى يمكن إلقاء اللوم عليها. لكن لما كل هذا الغضب؟! من قال ان الاختلاف يكون بالضرورة نتيجة تأثر خارجي؟ إني بالحقيقة أتفهم غضب أهلي وحزنهم, أعرف أن ما يمر على الأهل في هذه المواقف, أي تلقي صدمةً كهذه ليس بالهيّن أبداً. ينسب الأهل كل ما يبدر عن أبنائهم وبناتهم إلى أنفسهم وتربيتهم التي لا تشوبها شائبة بالطبع. لكن عندما يُصدم الأهل باختلاف ابنتهم عن القاعدة المجتمعية التي ربوها عليها، يلجئون إلى تفسير ذلك كخلل ما في ابنتهم, خلل يُسقطونه على أنفسهم لظنهم ان تربيتهم هي أداة الهندسة الرئيسية التي تصقل وتحدد من تكون وكيف تكون ابنتهم. وأنه إن كانوا ربوا ابنتهم على قواعد ومبادئ معينه فعليها أن تبقى كذلك وأن تحقق توقعاتهم منها. ومن هنا ينبع شعورهم بالذنب الذي سرعان ما يقومون بإنكاره وإسقاطه على شخص ما أو جهة ما أخرى, غالبا ما تكون الجهة المتهمة عبارة عن الأشخاص الذين لهم علاقة قريبة مع ابنتهم. أحياناً يقوم الأهل بتوجيه أصابع الاتهام إلى عواملٍ أخرى باعتبارها دخيلة, كالتلفزيون, الانترنت, الكتب, الجامعة وغيرها. أحياناً يكون عند أهالينا شك بالنسبة لمثليتنا وتصرفاتنا أو أصدقاءنا ولكنهم يحاولون إنكارها او عدم إظهارها لأنها مجرد شكوك ولأن الحقيقة لم تخرج للنور أمامهم وأمام المجتمع بعد. لذا يحاولون إبعاد هذه الشكوك لكي لا ينتهي بهم الأمر بتصديقها. أخبرتني إحدى الفتيات بما تواجهه مع أهلها "أمي بتعرف صديقتي فلانة, بروح عندها وبتيجي عنا من زمان, ومن فترة أمي سمعت أنها مثلية, وسألتني بس أنا أنكرت, أنا بعرف أنه امي مش حابة اني أكون صحاب معها بس بنفس الوقت ما بتقدر تقول اشي اسا فجأة لأنها بتعرف انها من أعز صاحباتي من زمان والمفروض انه ما يتغير اشي". غالبا ما يشعر أهلنا باختلافنا منذ الصغر, او في فترة المراهقة, ففي بعض الحالات يكون ذلك واضحا كالشمس, لكنهم عادة ما يفضلون التغاضي عن الأمر واستبعاده، قد تثار شكوكهم من جديد عند علمهم أو شكهم باحتمال مثلية أحد أصدقاءنا, فليس لهم إلا محاولة إسقاط أسباب ما هو غير متوقع منّا على أصدقائنا. والحل بالطبع في هذه الحالة من وجهة نظرهم إبعادنا عن من هم أصدقاء السوء. إلا أنني على ثقة بأنه وفي داخلهم يعرفون ان ابنتهم لم تتغير لأنها كانت على هذه الحال منذ الصغر. حدثتني إحدى صديقاتي أنها كلما أرادت أن تخرج مع صديقتها تبدأ أمها بالنق: "ليش طالعات؟ ما انتوا طلعتوا هذا الاسبوع, مفش حاجة تروحي، مش راح تموتي لو ما شفتيها", "اذا بدك تروحي تعيشي معها روحي", "ليش هالقد زعلانه؟ شو حبيبتك هي؟". لا شك عندي بنوايا الأهل الطيبة، يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون ظناً منهم أنهم يحرصون على مصلحتنا, ويريدون لنا الأفضل, ولكن في كثيرٍ من الأحيان هناك تناقض بين ما نراه نحن يخدم مصلحتنا وما يرونه هم. في اغلب الأحيان وبالذات في مجتمعنا العربي يرى الأهل مصلحتنا في تقبل المجتمع لنا وإتباعنا لشرائعه, وتحاشينا كل مواجه ممكنة له. رغم علم أهالينا أن ليس كل ما هو مُتبَع في المجتمع صحيح, أو ليس كل ما يحدده المجتمع ملائم لنا, ولكن من الطبيعي أن يكون إتباع التيار أسهل من الخروج عنه, لذا يُفضلون ما هو أسهل, فمثلاً, عندما يسمحوا لنا بلبس لباس معين أو بتصرف مُعين خارج منطقة سكننا ومعارفنا, أي خارج مجتمعنا المحيط ولا يسمحون بنفس اللباس أو التصرف داخل هذه المنطقة وذلك لكي لا يضطروا سماع أي كلام من الناس وليتحاشوا مواجهة المجمع. وكذلك الأمر بالنسبة لمثليتنا, بعض العائلات حين تدرك مثلية بناتها تفضل أن تسكنها بعيداً عنهم وعن مجتمعهم لألا يعرف الناس وليتفادوا مواجهة المجتمع بمثلية بناتهم. لا نريد أن نخرج نحن من الخزانة لنضع أهلينا في خزانة يختبئون فيها من بطش المجتمع وقيوده, ولكن من الصعب أن نحيا نحن حياتنا بالسر داخل الخزانة, اذا أردنا تغيير نظرة المجتمع لمن مثلنا علينا أن نبدأ أولا بأنفسنا وأن نتحمل نحن وأهالينا مواجهة المجتمع بشجاعة وفخر, لا شك بان الثمن سيكون باهظا, إلا أن ذلك قد يؤدي في نهاية المطاف الى شرعنة المجتمع للمثلية الجنسية تماما كما اعتاد عليها أهالينا وتقبلوها. هنالك ادعاءٌ دائم بأن المثلية استوردت من الغرب, كل ما يأتي من الغرب كالبرامج التلفزيونية,الأفلام والانترنت وحتى الكُتُب أحياناً وكل جديد يوحي بالانفتاح يُزج به بقفص الاتهام أيضا, "هاي الأفلام اللي بتحضريها هي اللي خربتك! هادا الانترنت اللي قاعده قباله كل النهار قلبلك عقلك!" والكثير من الصيغ المُشابهة لهذه الجمل التي تعلوا بأفواه أمهاتنا بالذات حين تطلب منا أن نساعدها في شغل البيت ونقول "ليش ما تطلبي من أخوي يساعدك؟" ولكن لا مفر هذه أمهاتنا وهذا ما نشأت عليه, لا ألومهن على ذلك. فلربما لم تكن متوفرة لهن تلك الكتب التي أكدت لي أني على حق بما أشعره, بأنه لا يوجد هناك أي فرق بيني وبين أخي, او الانترنت الذي أقرأ فيه عن نساء يطالبن بحقوقهن وبالمساواة, لم تكن هناك أفلام تُظهِر قوة المرأة وتأثيرها في المجتمع وأنها ممكن أن تكون ما تريد وتفعل ما تريد بما يمليه عليها إحساسها, لم تذهب أمهاتنا إلى الجامعة لترى أن هناك نساء يقفن ويتظاهرن من أجل حقوقهن، من أجل نيل حرياتهن, ولكي لا يأتي ذلك اليوم الذي تقول لابنتها "بس لما تتزوجي اعملي اللي بدك اياه, اسا لا!". لماذا يظن أهالينا أن هذه الصديقات, أو نساء الجمعيات الآتي تعرفت عليهن بمظاهرة أو من على الانترنت أو الكتب كانت ذا تأثير سلبي علي؟! لما لا تكون على العكس من ذلك, عززت شجاعتي وجعلتني أقوى على النهوض لأقول بصوتٍ يسمعه كل البشر "أنا هنا, أنا انسانه قبل أي شيء, لي حقوقي ان كنت مثلية أو مثلكم, انا هي أنا وسأبقى إن شاء العالم أم أبى", أليس هذا أفضل من أن أنساب مع مجتمعٍ ذكوري لا يمثلني, بل يكاد يمحي وجودي, يريدني تابعة للرجل فقط! يرفضني لأني رفضت أن أتبعه ورضيت به صديقاً ليس أكثر وأردت للمرأة أن تكون لي حبيبة وشريكة! لم أعرف يا أبي ذلك السبب الذي جعلك تأخذ مني ذلك الكتاب الذي يتحدث عن حقوق المرأة, ألانك تخشى على سلطتك منه أم لأنك أردت لحياتي أن تكون أسهل بدونه, ألأنك تخشى أن أُدرك معنى تلك الحقوق ويقوم المجتمع بنفيي ورفضي لو طالبت بها؟! أمي, أبي, أخوتي ومجتمعي, أعلم أن تقبل مثليتي ليس سهلاً, لكني لست بمصيبةٍ حلّت عليكم, أنا منكم واختلافي عنكم ليس ذنبي ولا ذنبكم بل هو ليس بالذنبٍ أصلاً لتتحملوه أو تلقوه عليّ أو على أصدقائي أو كتبي أو أي شيء آخر. لم أُخّيَّر في ذلك, كما لم أُخَيَّر في أن أكون ابنتكم أو من مجتمعكم, هذه هي حقيقتي التي لن أخفيها ولن أخجل بها كما لن أخجل بكم. لذا دعونا ننظر للأمور بمنظور اوسع ولنسقط تلك الرؤية الضيقة, دعونا نبحث عن الايجابي, عن ما قد يقود مجتمعنا الى الأفضل, وليس الانشغال بان كنت سأغفى بجانب امرأةٍ أو رجل.
*منقول عن مقالة الاخت زوي هواري / ناشطة نسوية وعضوة في مجموعة أصوات الفلسطينية

10 comments:

Happy Hope said...

جسور العذاب
:)

اللي بتعذبنا
ايه البوست الطويل دا يا شيخة
:D
انا قريتو مبارح و كنت ناوية أعلق و الله بس جيت في الآخر و البنزين خلص
ومعلومات كتير وقعت مني على سبيل المثال اسم المؤلفة زي مانتي عارفة طبعا ههههههه


انا بهزر يا جميل
البوست رائع طبعا و بشكرك انك شاركتينا به
وبحيي المؤلفة زوي هواري على المقال العبقري وياريت الكل يقراه بجد
بس منصحش يتقري على مرة واحدة لازم على عدة مراحل ههههههه

عيد سعيد عليكي صديقتي
اجمل تحية

سـمــــــــــا said...

انا جاية اقول كل سنة وانتى طيبة يا اجمل جسور

بس اكيد هرجع تانى علشان مين اللى خربك وانا اعضه من ودنه :))

عيد سعيد عليكى يا قمرى

victime d'amour said...

المقال رائع بيجنن

عن جد يستاهل القراءة

سلمت الايادي
و عيد مبارك سعيد

رولا said...

اجمل وارق صديقه...اشتأتلك كتير كتير بجد اتمني تكوني بألف خير..بوست شيق كما كل اختياراتك لكنها لا ترقى بأي حال لعذوبه وعمق كلماتك...كل عام وانت بألف الف خير صديقتي الجميله..ينعاد عليكي وعلى كل الصديقات بالخير والسعاده

جسور سرية said...

صديقتي هابي
كل سنة و انتي طيبة يا قمر
و انا اسفة كده علي وش العيد و انا باديكي هارد تايم و اخليكي تقرئ معلقات ههههههههههههه

بس اعمل ايه زوي الله يديها العافية اصرت انها تمتعنا بكل حرف هيا بتكتبه و بموضوعها الجميل و الشيق ده!!!

جسور سرية said...

سما باشا
ازيك يا جميل و كل سنة و انتي طيبة و بالف خير يا احلي سما

لا لازم ترجعي تاني و تجيبي معاكي كحك العيد.....انا مليش دعوة في خروف و لا مفيش انا عايزة كحك هههههههه

منوراني يا قمر

جسور سرية said...

الله يخليكي يا فيكتم دا مور
و كل سنة و انتي طيبة يا رب و بالف خير

جسور سرية said...

معقولة بس ....اكيد كل هذا النور الصافي جاي من طلة صديقتي التي لا ينافس جمالها سوي رقتها و عذوبتها!!!

اهلا بك رولا الجميلة و كل سنة و انتي بخير و حب و سعادة يا رب

زوي هواري said...

كل سنه وأنتوا سالمين\ات :)
جسور سرية, شكرا كتير على متابعتك لأصوات وعلى اهتمامك بمقالتي ونقلها عبر صفحاتِك. أنا وصلت لهون بالصدفة, بس صدفة كتير حلوه صراحه, اللي خلتني أقرأ هذه الردود الجميلة.

للاخت هابي هوب اللي قالت انه طويل :), بس بحب أذكر أنه المقالة انكتبت على أنها احدى نشرات أصوات, واللي المفروض تشمل الموضوع من كل نواحيه أو أغلبها.
شكرا جميعا على الردود, وشكرا لكِ جسور سرية :)
فرصه سعيدة
زوي هواري :)

جسور سرية said...

العزيزة زوي
و الله ليا عظيم الشرف بزيارتك لمدونتي المتواضعة.....و انا الحقيقة من اشد المعجبات بمجموعة اصوات و باعتبرها اختراق عظيم في قضية المثلية الجنسية في الوطن العربي و اقدر جدا مساهماتكم الفكرية القيمة في هذا المجال

و خليني اتشرف بزيارتك دوما للمدونة و كل سنة و انت طيبة يا جميل